كيف تعرف قيمتك عند الله عز وجل؟

وقت الإصدار : يناير ١،١٩٧٠
نحن بحاجة اليوم إلى تدبر القرآن الكريم استجابةً لنداء الله عز وجل، ليس من باب حب الاطلاع ولا الزيادة المعلومات أو المتعة. التدبر هو استجابة لنداء الخالق عز وجل عندما قال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82). سورة يوسف هي من أعظم السور في القرآن الكريم لما فيها من العبر والمواعظ والحكم ولما تحتويه من إسقاطات على واقعنا اليوم. في كل آية من آيات سورة يوسف بل في كل آيات القرآن.

يوسف والجُب.
بعدما تركه أخوته وحيدًا، ورجعوا إلى أبيهم يبكون ويكذبون عليه أنه أكله الذئب، كان الله معه ويحفظه وهو في غيابة الجب وفي أعماق الجب وفي ظلمات الجب، يقول الله تعالى (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (يوسف:19). مرت سيارة، والسيارة هي القافلة التي تسير ويحتاجون للتزود بالماء كل فتره. فأرسلوا واردهم، والوارد هو الذي يدلي بالدلو ليلتقط أو يحمل كمية من الماء ثم يرفعها ويسقيها للناس ليأخذوا حاجتهم من الماء. فأدلى الدلو وإذا بسيدنا يوسف يتعلق بهذا الدلو ويصعد، فقال (يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ)، فاستبشر به خيرًا، وبالطبع أخذوه كبضاعة.

تقدير الذات وتقدير الآخرين.
إن الذي وجد سيدنا يوسف أراد أن يبيعه لأحد الأشخاص. هو طفل صغير، لم يسألوه عن أهله ولم يسألوه من أين جاء أو كيف وصل به الحال لأن يكون في هذا المكان وكانوا لا يقدرون قيمته؛ هذا النبي الكريم الذي سيصبح ملك لأعظم دولة! يقول الله تعالى: ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) (يوسف:20). اشتروه بدراهم معدودة، يقال سبع دراهم فقط، وزهدوا في هذا الغلام. ولكن أموال الدنيا لا تساوي قيمة سيدنا يوسف عليه السلام فهو غالي من عند الله سبحانه وتعالى. ولكن مقاييس البشر تختلف تمامًا عن مقاييس الخالق. المقاييس البشرية دائمًا ما تكون ضعيفة ومحدودة، فلو كانوا يعلمون أن هذا الطفل سيصبح ملكًا لمصر بعد سنوات لاختلف الوضع، ولكنهم يجهلون ذلك.

الحكمة من الآية الكريمة: هل هناك من يزهد في حقك؟ هل هناك من الناس حولك من لا يقدرك؟ أيًا كانت إجابتك فثق تمامًا أن الله عز وجل يقدرك وقادر على أن يجعلك في أعلى منزلة إذا أراد هو وإذا أخلصت أنت. هذه الآية هي علاج لكل من يشعر بضعف في داخله، ولمن يشعر أنه ليس ذا قيمة في محيطه، ولكل من يشعر أن الناس لا يهتمون به، ولكل من يشعر بأن أهله أو أقربائه أو جيرانه أو أصدقائه لا يقدرون قيمته، فاقرأ هذه الآية الكريم واعتبر أن هذا الغلام الذي لم يقدره السيارة سيكون ملك أعظم دولة في العالم.

سيدنا يوسف وعزيز مصر.
يقول الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21). أي أنه حتى إكرام هذا الطفل ليس من أجله فحتى عزيز مصر لا يقدر قيمته، بل يريد أن يكرمه لينتفع به كاستثمار أو لينتفعوا بخدماته أو يتخذوه ولدًا. ولكن من الذي ألهم هذا الرجل أن يُكرم سيدنا يوسف غير الله عز وجل.

الحكمة من الآية الكريمة: هل تعاني من ذل ومن مشاكل ومن نقص؟ الله هو القادر على أن يسخر لك من يدعمك و يكرمك ويعطيك ولكن ثق بأن الله معك فقط استجب نداء الله وقل يا رب أنا أستجيب لندائك واعمل وفقًا لأوامرك واتقِ الله سبحانه وتعالى، ستجد أن الدنيا كلها تُسخر من أجلك.


قاعدة القرآن الكريم.
قاعدة غريبة في القرآن الكريم أنه ينقلك عشرات السنين في كلمة واحدة أو في بضع كلمات أحيانًا. القرآن الكريم ينقلك سريعًأ، فمثلًا كان مضى على اختفاء سيدنا يوسف ربما يوم وفي اليوم التالي ربما قال العزيز هذا الكلام لامرأته ولكن هنا تأتي الآية (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) مما يدل على مُضي سنوات. فالقرآن الكريم لا يذكر التفاصيل التي لا تهم القارئ، يريد أن يأخذك مباشرةً إلى الهدف المطلوب والعبرة المقصودة من القصة. 

ما هو تأويل الأحاديث؟
يُخطئ من يظن أن تأويل الأحاديث يقتصر فقط على الأحلام، بل أي حديث تنطق به له تأويل و أي آية في القرآن الكريم لها تأويل. الله تبارك وتعالى علّم سيدنا يوسف كيف يأول معاني الكلمات والعبارات حتى أنه كان يفسر الأحلام وهي من أصعب التأويل.
ثم يختم الله الآية الكريمة بقوله (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). هل تحب أن تكون من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ هذه الآية فيها تحذير لك أن تكون من هؤلاء بل عليك أن تكون من زمرة سيدنا يوسف الذي مكنه الله في الأرض. فإذا أردت النجاح وإذا أردت أن تصعد إلى أعلى المراتب في الدنيا والآخرة فاجعل الله سبحانه وتعالى يتولى شؤونك وسلم أمرك إلى الله وعِلمك وحياتك وهمومك ومشاكلك وضعها بين يدي الخالق عز وجل وأعلم أنك تتعامل مع الله الرحيم العظيم.